جريدة الرأي : يحمينا جهاز المناعة من العوامل الضارة التي تتعدى على الجسم (فيروسات، جراثيم...)، فيصبح هذا الأخير بمثابة قلعة محصنة ضد أي اعتداء. تؤدي الأمعاء هذه الوظيفة بفضل بيئتها المعقدة. إذا ضعف أحد مركباتها، يضعف أداء دفاعاتنا الطبيعية، ما يمهد الطريق أمام الإصابة بالأمراض.
الحساسية مثلا ردة فعل قوية للدفاع عن الجسم ضد العناصر التي يواجهها عادة. تساعدنا البيئة المعوية في معرفة فوائد المأكولات التي نلتهمها. إذا أصيبت هذه البيئة بأي خلل، قد تنشأ حساسية مفرطة تجاه مأكولات معينة أو تجاه الجراثيم الموجودة في البيئة المعوية، فتصبح بمثابة عناصر ضارة.
. عدا عن وظيفة الأمعاء الهضمية، يعتبر هذا العضو المسؤول الأول عن الدفاعات المناعية في الجسم. إنه نظام معقد يعرض الإنسان لأنواع من الحساسية والالتهابات إذا أصيب بخلل ما.
بيئة الأمعاء تتوقف مناعة الجهاز الهضمي على كل من جهاز المناعة المعوي، والغشاء أو الحاجز المعوي، والبيئة المعوية.
يتألف هذا الجهاز المناعي الواقع في عمق الأمعاء من أكثر من نصف الخلايا الدفاعية الموجودة في الجسم. لا تتيح هذه الخلايا تقبل المأكولات والجراثيم الموجودة في البيئة المعوية فحسب، بل تدافع عن الجسم أيضا من خلال التصدي لأي جرثومة مرضية.
يؤدي الغشاء المعوي المكون من طبقة رقيقة من الخلايا الظهارية المغلفة للجهاز الهضمي دور الحاجز القابل للاختراق، إذا دعت الحاجة. يسمح هذا الغشاء بمرور بعض المواد ويعترض طريق العناصر المرضية.
أخيرا، تشكل مئات مليارات الجراثيم الموجودة في القولون، البيئة المعوية المكونة من آلاف الأنواع المختلفة، علما أن 20% منها فقط معروفة لدى الخبراء.
ثمة فئتان أساسيتان من الجراثيم المختلفة، ويبدو أن صحتنا تعتمد على مدى توازنهما. أثبتت الدراسات أن غياب هذه الجراثيم الكامل يؤدي لدى الحيوان إلى إضعاف جهاز المناعة الذي يصبح غير قادر على مقاومة الأمراض. الأمر مماثل بالنسبة إلى الإنسان. تؤدي الجراثيم المعوية وظائف متعددة، فهي تغذي جراثيم أخرى، وتسهل عملية الهضم، وتحفز عملية تقبل المأكولات ودفاع خلايا جهاز المناعة، وتعزز إمكان اختراق الحاجز المعوي. مثلا، يمنع بعض الجراثيم المفيدة لجسمنا الجراثيم المرضية من الاستقرار في الأمعاء.
أمراض المعدة والأمعاء يؤدي كل مركب من مركبات جهاز المناعة دوره الخاص. لكن نظرا إلى تشابكها، يؤدي أي اضطراب في عمل أحدها إلى خلل في النظام كله.
بالتالي، الالتهابات في الجهاز الهضمي، وهي بمثابة طعنة قاسية للأمعاء، مسؤولة عن اضطراب البيئة المعوية، فتنجم عن ذلك سلسلة من ردود الأفعال. تتغير حالة البيئة المعوية وتفقد شيئا من قدراتها الدفاعية ضد العناصر المرضية. قد يفتح الحاجز المعوي أمام عناصر دخيلة، فيضطرب جهاز تقبل الطعام بدوره. نتيجة لذلك، قد تنشأ لاحقا أنواع من الحساسية و/أو الالتهابات.
هكذا يمكن تفسير بعض الأمراض الشائعة بالخلل الدفاعي الحاصل في الأمعاء.
الحساسية الغذائية في الأصل، كان أي اختلال في توازن البيئة المعوية يؤثر على الحاجز المعوي، فيرتفع إمكان اختراقه. فتتباعد مجموعة الخلايا الظهارية (التي تكون عادة متراصة بفعل الجراثيم) وتسمح بمرور عناصر سامة في الجسم. من أكثر المأكولات التي تسبب ردات فعل مماثلة، الفول السوداني، حليب البقر (لاكتوز)، بياض البيض... يسبب هذا النوع من الحساسية التهابات في الجهاز الهضمي، تكون بدورها مصدر أوجاع موضعية، أو إسهال، أو انتفاخ، أو حتى ردات فعل بعيدة عن منطقة الأمعاء، كالطفح الجلدي وغيره...
يؤدي هذا المرض، المسمى أيضا بالداء البطني والمرتبط بخلل في جهاز المناعة تجاه الأجسام المضادة، إلى تدمير الخلايا الظهارية في الأمعاء. عمليا، تترجم هذه الحالة بحساسية مفرطة ودائمة تجاه الغلوتين (بروتين موجود في معظم المأكولات). إنها حالة مزعجة بالنسبة إلى المصابين بها، لأن العلاج يفرض بشكل أساسي إلغاء الغلوتين من الغذاء.
= أكزيما الاطفال قد تنجم عن اختلال في توازن البيئة المعوية. قد يصاب الأطفال منذ الولادة بالحساسية (لأسباب جينية) ويعانون من طفح جلدي، تحديدا الأكزيما. لكن قد تخفف العوارض من خلال تغيير في البيئة المعوية. نجح فريق فنلندي في التخفيف من هذه الظاهرة الجلدية من خلال الاستعانة بجرثومة إضافية وتحويلها إلى شكل غذائي (أي الجراثيم المفيدة للصحة).
عدا عن العامل الوراثي، قد يؤدي أي خلل في جهاز المناعة إلى التهابات مزمنة في الأمعاء. كذلك قد تصاب البيئة المعوية بحساسية مفرطة تجاه إحدى جراثيمها الخاصة. تنجم هذه الأمراض عن اختلال بين آليات هجوم العناصر الدخيلة وآليات الدفاع عن الحاجز الهضمي. في هذه الحالة، يصبح جهاز المناعة عاجزا عن السيطرة على الوضع.
لكل شخص منا بصمة رقمية تميزه عن غيره، وتركيب البراز يختلف من شخص إلى آخر أيضا. تبدأ الجراثيم المفيدة بالتكون منذ عملية الولادة، ما إن تحتك أمعاء المولود الجديد المعقمة بالجراثيم في جسم أمه للمرة الأولى. بالتالي، لا أحد يملك بيئة معوية مشابهة لغيرها حتى لو وجدنا فيها أنواعا جرثومية مماثلة. هذا ما يفسر ربما اختلاف أداء جهاز المناعة بين شخص وآخر.
الثلاثاء, 13 اكتوبر, 2009
الحساسية والدفاعات المناعية في الجسم
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية


















