
اما محمد مدبولي فانه يعبر عن اهمية الكتاب بقوله ( الكتاب ده اللي بغير الدنيا.. الكتاب وقصة هذا الرجل العصامي والمثقف ثقافة فطرية ولكنها سليمة بدأت منذ سن السادسة حيث كان من اسرة فقيرة فذهب هو وشقيقه لبيع الصحف في شوارع القاهرة.. حتى كانت الظروف في بعض الاحيان تجبره على النوم على الرصيف وانتظارا لصدور الصحف اليومية في وقت الصباح المبكر جدا.
وهكذا تطور الامر مع بائع الصحف محمد مدبولي الى ان كبر واصبح يقتني عربة من الخشب يتجول بها عارضا عليها الصحف والكتب القديمة لبيعها لمن يقرأ.. ثم ليصبح كشكا للصحف والكتب واخيرا مكتبة ضخمة فيها عشرات الالاف من الكتب القديمة والحديثة ومنها التي قام هو شخصيا بنشرها بالاتفاق مع المؤلفين المشهورين وغيرهم مثل: نجيب محفوظ، محمد حسنين هيكل ونوال السعداوي ونصر حامد ابو زيد واحمد فؤاد نجم والعشرات الاخرين من المؤلفين العرب والاجانب مثل جان بول سارتر الذي عرفه عن قرب ونشرت مكتبة مدبولي بعض كتبه بالترجمة الى اللغة العربية.
ومحمد مدبولي والذي دخل اسمه في موسوعة (اعلام مصر في القرن العشرين) التي صدرت عن وكالة ابناء الشرق الاوسط وذلك بوصفه ابرز ناشر كتب في مصر.. كان قد تعرف عن قرب ايضا على عدد من مشاهير الحكام العرب قديما عندما كان بعضهم يدرس في الجامعات المصرية وربما وكان ذلك في الخمسينات والستينات من القرن الماضي امثال: صدام حسين وهواري بومدين وبعض حكام الخليج.. وذلك بترددهم على مكتبته الشهيرة والزاخرة بكل انواع الكتب الحديثة والقديمة والممنوعة حيث كانوا يشترون بعض هذه الكتب المعروفة والنادرة.
اما عن قصة هذا الهرم الثقافي الكبير محمد مدبولي مع الكتب الممنوعة فقد كان يعتبر منع أي كتاب من التداول بين ايدي القراء مصيبة كبرى وخطأ شنيعا.. فقد باع ونشر ووزع الكثير من الكتب الممنوعة واغلبها السياسي والديني في كل عهود الحكم التي واكبها منذ عهد جمال عبدالناصر وانور السادات حتى عهد الرئيس الحالي. وحول هذا الامر فان للحاج مدبولي نظرية او مبدأ كما كان يقول وهي: (ان المائدة الثقافية أي (الكتب) هي لكل الناس ولكل الاتجاهات، ولا يوجد عنده حجر على عقل او فكر نير).
ليس هذا فقط.. فمحمد مدبولي المثقف الكريم والشعبي والوطني القومي العفوي المتواضع كان قد تعرض الى العديد من الملاحقات الحكومية والحزبية في مصر وذلك بسبب نشره وبيعه للكتب التي يعتبرها البعض مثيرة للجدل سياسيا وجنسيا ودينيا حيث كان المثقفون في كل مرة يقفون الى جانبه ويدافعون عنه.. حتى ان الرئيس حسني مبارك تدخل ذات مرة لوقف الحكم الصادر بحبسه لنشره مثل هذه الكتب، لكن مدبولي ذات مرة وبعد ان نشر بعض كتب الدكتورة نوال السعداوي وتحت ظروف معينة فقد قرر اتلاف بعض هذه الكتب!!! وعن ذلك يقول: انه يبيع أي كتاب حتى لو ناقض افكاره.. لكنه لا ينشر كتابا يناقض مبادئه ودينه.
هذا وقد اجمع العديد من المثقفين الذين تعاملوا معه على انه انسان يتميز بالشعبية والنبل فهو يستقبل زبائنه وكل من يزوره (في مكتبته التي زاد عمرها عن 50 سنة بالترحاب وسعة الصدر والمعروفة العجيبة بكل انواع الكتب وخفاياها.. فهو اذن رجل كريم وبسيط وعفوي ودمث الاخلاق.
اما عن علاقته مع بعض المشاهير ومؤلفاتهم المتداولة بكثرة بين القراء فقد كان على صلة جيدة مع الكاتب السياسي والصحفي الشهير محمد حسنين هيكل اذ انه كان يبيع من كل كتاب له حوالي 5 الاف نسخة ونشر للشاعر المعروف نزار قباني حوالي 17 ديوان شعر في القاهرة.
اخيرا لا بد من الاشارة الى ان هذا الناشر والبائع للكتب الشهير والذي اعتبرت مكتبته في ميدان طلعت حرب من احد معالم القاهرة الثقافية والحضارية البارزة.. انه كان اميا في صغره حيث لم يدخل المدارس مطلقا.. لكنه في فترة صباه وعندما كان يبيع الصحف فقد درس وتعلم الحروف الهجائية لوحده وكذلك تعلم قليلا من اللغة الانجليزية.. ومن ثم صار يقرأ الصحف والمجلات والكتب وبالذات السياسية منها.. ومن ثم اتخذ هذا الرجل المكافح الوطني والقومي موقفا مع العدل والحرية ونصرة الانسان المظلوم.. حتى انه كان يكافح كل مواقف الاغراء والتسهيلات والربح المادي الذي كان يعرض عليه لكي ينجرف في امر التطبيع الاسرائيلي العربي!! لكنه كان يرفض بشدة وباحتقار لمثل تلك الالاعيب.. اذ ظل ثابتا على مواقفه السياسية المبدئية والقومية العربية ضد الاحتلال وقهر الشعوب من الغاصبين.. فقد رفض مرارا تسهيل وبيع ونشر الكتب الاسرائيلية في بلده مصر.
وكان مدبولي رحمه الله لا يترك قدر ما يستطيع أي كتاب في مكتبته ودار نشره الا ويقرأ منه حتى ولو مقدمة الكتاب او الفهرس على الاقل.. وكان مدبولي من عشقه الشديد للكتب انه كان في بعض الاحيان عندما لا يجد حلا لمشكلة ما تؤرقه فانه ينظر الى اغلفة وعناوين الكتب حتى يجد من خلالها حلا سحريا لهذه المشكلة!!!.
السبت, 03 يناير, 2009
حكاية محمد مدبولي .. أشهر ناشر وبائع كتب في مصر
جريدة الرأي : من هو (محمد مدبولي) الذي رحل عن الدنيا مؤخرا انه اشهر بائع وناشر كتب في مصر والعالم العربي.. فقد قال عنه الشاعر نزار قباني ذات مرة: (اننا نحب مدبولي لانه يحب الكتاب ويتعامل معه أي مع الكتاب وكأنه انسان.
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية


















