
من الحجم الصغير وفى 63 صفحة أصدر الكاتب والصحفى محمد الماجرى باكورة أعماله القصصية واختار لها من الأسماء "أوجاع الذاكرة"، وتميّز الكتاب فضلا عن اللوحة البسيطة والمعبرة للغلاف، بطرافة القصص المضمنة داخله وقربها من القارئ مضمونا ولغة ونلمس ذلك أيضا من خلال العناوين حيث نقرأ "الهادى دبوزة" و"يوميات شاعر غريب" و"مقبرة البلدة" و"دعنا نشكل وطنا للعشق" و"عصفور أبى رغال" و"رجل من بلاد الوقواق" و"ثلاثة ورابعهم كتاب" و"تأمل" و"حقيقة" و"رجل غريب".
ورغم أن الأمر سابق لأوانه إلا أن محمد الماجرى قد بدأ يرسم لنفسه طريقه بكل تأن وثبات ويحاول تجاوز التقليد الأعمى إلى خلق مفردات وتقنية خاصة به لذلك كانت "بنية القصص القصيرة فى هذه المجموعة تجانس بنية الشعر، فهى قائمة على التشظي، ناهلة من معجم ذهنى موصول برومنسية خفية، هى رومنسية محمد الماجرى الذى يتوق إلى معالجة نصوص قصيرة تنبئ بدربة ومران على التعامل مع اللغة وتنشئ رموزها الخاصة وتشى بكفاءة عالية، لا شك فى أنها ستتدعم نصا بعد آخر وستؤكد تمكنه من التشبث بهذا المركب الصعب" وهذه شهادة أخرى جاءت من طرف الروائى صلاح الدين بوجاه والأكيد أنها ستدفع صديقنا محمد إلى مزيد الاجتهاد أكثر حتى يطور نفسه.
إن المتمعن فى مجموعة "أوجاع الذاكرة" لمحمد الماجرى يستنتج بسهولة وعى الكاتب بشروط اللعبة القصصية ونجاحه الكبير فى خلط كل أوراق الذاكرة وما ترسب فيها من تجربة الآباء" محاولا بذلك خلق لغة سلسة ومعجم بسيط ينبع من أوجاعنا وذاكرتنا فى أغلبه، لذلك كلما تقدم القارىء أكثر نحو استكشاف قصص المجموعة إلا واكتشف ذاته وقريته ورحلته من الريف إلى المدينة وأشياءه الصغرى وأحلام الطفولة الأولى ومغامرات المراهقة. إن محمد الماجرى فى هذه المجموعة القصصية نجح إلى حد كبير فى مزج الواقعى بالتخييلى وفى خلق عالم قصصى سحرى يحلق بنا فى سماء التيه والشعر أحيانا ويصدمنا ويكشف عرينا وخداع واقعنا ومدينتنا الفاجرة والحالمة والثائرة أحيانا أخرى.
وها هو مثلا فى قصة "رجل غريب" يطل بنا على شخصياته المهمشة فى الواقع "عاهرة متسكع ومجنون" وينطق الشخوص حكمة تشى بوجودهم ولكنه فى نفس الوقت يتخفى وراء الراوى الذى يتفنن فى الوصف عبر لوحات تطابق الشعر الحديث فى بعض الأحيان، ويتفنن فى رسم ملامح الخيال المجنّح فنراه ينطق تمثال ابن خلدون بكلام يلوح غريبا وعجيبا فى بداية الأمر لكننا حين نتعمق فيه نكتشف أنه يشبهنا حد التطابق ونخرج من ورائه بموقف الكاتب من العصر والوجود والواقع فنراه ساخرا ومتهكما على المتناقضات حوله التى تتكثف وتحضر بقوة فى قصة "رجل غريب" فتقرأ هذا الحوار "أنا اسمى حمادى شتيتى تق وهو اسمه لسعد الزيقى بيقى وهذه القارورة تحوى ما مقداره خمسمائة مليم منعشات روحية أو فلنقل كول Alcool، Alchool باللغة الانجليزية، عفوا غابت عنى باللغة الألمانية والقارورة الأخرى مشروبات غازية ونحن نفعل آلية الدمج أو فلنقل حوار السوائل، ثم يتم شربها عبر معبر "القرجومة" و"أولاد الحومة" هاهاها. ضحك صديقه الذى بجانبه ثم أردف قائلا: "هذا منطق وجودنا".
- سكت الرجل الغريب ثم قال: ".. المنطق، علم يعصم الذهن من الخطأ فى اقتناص المطالب المجهولة من الأمور الحاصلة المعلومة، وفائدته تمييز الخطأ من الصواب.. فيما يلتمسه الناظر.. ليقف على تحقيق الحق فى الكائنات نفيا وثبوتا، بمنتهى فكره".. "ابن خلدون: المقدمة "العلوم العقلية وأصنافها" ص 3".
- انتفض لسعد الزيقى بيقى وظهرت عليه ملامح الغضب وقال "أخرج ما فى جيبك يا حاج وكفاك تعبيرا".
- قال الرجل الغريب "إن علم التعبير، علم بقوانين كلية، يبنى عليها المعبّر عبارة ما يقص عليه" "المقدمة "علم تعبير الرؤيا" ص 530"
- تدخل حمادى شتيتى تق قائلا "ذكرنى بقول الدكتور فى سنوات الجامعة عندما يعرف عتبة التعبير الروائى وأشهر النقاد الذين اشتغلوا اجرائيا بأدوات تقنية نقدية أمثال أسوالد ديكرو، تزفيتان تودوروف ميخائيل ريفاتير، جيرارجينات، أن مورال، يورى تينيانون وهانس روبرت يوس، ولكن يا حاج كفانا لغة الارتماطيقي".
- قال الرجل بحماسة وكأنه سمع خبرا أسعده: "الارتماطيقي، وهو معرفة خواص الأعداد من حيث التأليف، إما على التوالى أو بالتضعيف. فإن لكل منها خواص مختصة بها" "المقدمة "العلوم العددية" ص 535".
- قال لسعد الزيقى بيقى وأخذ المشرط ووضعه على وجه الرجل الغريب "هات ما عندك من الأموال وإلا فتحت لك شارع المحطة وكفاك لغة "مضروبة"".
وهكذا دواليك تمضى لعبة القص الساخرة لنسأل السؤال المحيّر: هل هو الواقع الأشد غرابة وتخييلا من الخيال نفسه، أم هى تقنيات سحرية يستعملها الكاتب ليرسم لنا واقعا وعالما سحريا من صنعه؟!!
قد تبدو الاجابة مهمة للوهلة الأولى لكننا حين نواصل قراءة قصص مثل "طفل" و"حقيقة" و"الهادى دبوزة" و"رجل من بلاد الوقواق" نكتشف أن كل الاجابات متشابهة لأن الشخصيات تتكرر بتغيير جزئيات بسيطة والحوار يزداد سخرية وعمقا، أما اللوحات الوصفية فهى تكشف أننا أمام الراوى نفسه وهذه ليست نقيصة فى النص الأكبر "الكتاب" وإنما هى نقطة إيجابية تحسب لمحمد الماجرى الذى يحاول التقاط المعانى التى غفلت عنها أعيننا فى زحمة المدن.. وزحمة مشاغلنا.. وحسبه أنه نجح فى هذا الجانب وفى لفت نظر القارئ إلى أهمية هذه الشخصيات المهمشة والأحداث البسيطة التى جعل منها قصصا ممتعة.. إنها دون شك أوجاع الذاكرة، أوجاعنا التى أهملناها.. ولكن الكاتب هنا يفاجئنا بها بصورنا المرسومة فى القاع.
وفضلا عن هذه المناخات يرحل بنا محمد الماجرى عبر قصصه إلى عوالم شعرية ورومنسية ديدنها لغته الصفوية التى يستلهمها من تراث أجداده ونلمس ذلك خاصة فى قصص مثل "يوميات شاعر غريب" و"عصفور أبى رغال" و"دعنا نشكل وطنا للعشق"، التى تعتبر قصيدة نثرية بحق فدعونا نقرأ بعضا منها ونقل "تصبحون على عشق": "لأن ليس لديك أحد، ولأنى وحيد العصر والعقل ولأن الاصالة رحلة فى ذاكرة الأحرف والوجود ينعطف لغربة اللغة.
لأنك أصيلة خلوقة، عيناك أجمل من تشكل حورية بين يدى تموز وعشتارت، لأنك أمل لا يكتفى إلا باغداق المشاعر البكر.
لأن البحر سحر والسحر حبر والحبر حرب، فأنا صلاح الدين اللغوى الذى سيخلق أكوان العشق. لأننى يتيم التاريخ فكوني، موجا لا يهدأ على تربتي.. لماذا النجوم هذه الليلة تبكي؟ أمن الجوع أم من الضمإ لخطايا الشجر؟
لأننى إنسان مختلف ومعقد لأننى أحبك سأصل لألامس الخلق الإلهى بغجرية القمر وأسئلة الحرف.. دعنا نشكل وطنا للعشق".
الاربعاء, 27 اغسطس, 2008
كتاب «أوجاع الذاكرة» رحلة الأبواب الخلفية لمدينة من سراب
غلاف كتاب المجموعة القصصية «أوجاع الذاكرة»
كتاب «أوجاع الذاكرة» رحلة الأبواب الخلفية لمدينة من سراب
العرب أونلاين : عبد المجيد دقنيش
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية


















