مبدأ المقاومة وأشكالها الشعرية عند محمود درويش 
عرف الشاعر محمود درويش بشاعر قضية، وقضيته كانت ولا تزال وضعية بلاده وشعبه، إلا أن محمودا شاعر مبدع حقا يفيض إحساسا ولغته الشعرية متميزة بمعجمها وبالصور المبتكرة وبالتعبيرات المستحدثة، وثقافته واسعة تنهل من الأساطير الإنسانية والأديان والمعيش اليومي. إيقاعاته الشعرية إيقاعات راهنة منخرطة بكل ما أوتيت فى عصرها.
فى جداريته تتنازع الشاعر رغبتان: رغبة شخصية تتصل بقضية خاصة، هى تجربة المرض، ورغبة عامة متصلة بالعروبة وقضية فلسطين فى ظل الشروط الراهنة والتحولات التى سارت فيها وعليها.
أمام هاتين الرغبتين يجد الشاعر نفسه ميالا إلى التجربة الشخصية، تجربة المرض حيث اهتز الكيان ووضع الجسد أمام الاختبار الصعب، ووضعت الذاكرة تحت المجهر فتلاشت بعض ذكرياتها وحضرت أخرى بكل ثقلها.
فى الجدارية تنازع ياء المتكلم باقى الضمائر؛ أى أن الجنوح نحو الذات هيمن على كل الأنوات الأخرى. وفى الجدارية تفكير وإعادة تفكير فى حالة الما بين: حالة انخطاف الكينونة، وإقامتها فى اللامكان واللازمان، خارج شرطى الوجود الإنساني. كما تختار الذات اختبار الذاكرة أمام لحظة الأبدية المطلقة.
وما توصلت إليه النفس من حقائق حتم عليها اختيار مبدأ المقاومة؛ مقاومة الموت، واختبار قدرته على التفكير – أنسنته- فيما يقوم به. وما محاولة اخجاله بالتحقيق معه إلا بهدف أنسنته. ومبدأ المقاومة لدى الإنسان لا يعتمد على إحراج الآخر، كيفما كان، بل يعتمد أساسا على قوتى الاسترجاع والاستذكار. وهما قوتان يقاوم بهما الإنسان سلطة الزمان الذى لا يتوقف عن الجريان، لا يهتم بالصغائر، يستسلم لمنطقه الصارم متجها فى خطية قاسية نحو النهاية، يتحول من محطة إلى أخرى، يغير المصائر ويبدل الأمصار والأقوام. الزمان أقوى حتى من التاريخ، يجعله يعدو خلفه يدون نتائج عماه وخطيته، فالتاريخ حارس مقبرة الزمان، والتاريخ هنا يبدو كأنه آثار خطى الزمان لا غير.
من أشكال مقاومة الانهيار وظلام الهاوية ادعاء الضعف والهزيمة،وفى ذلك تحريك لا شعورى لقوة البقاء. ومحمود درويش فى جداريته يهاجم الموت بعنف ويطالبه بأن يمهله حتى يسترجع عافيته وبألا يأخذه غدرا كالجبناء:
"ويا موت انتظر، يا موت،
حتى أستعيد صفاء ذهنى فى الربيع
وصحتي، لتكون صيادا شريفا لا
يصيد الظبى قرب النبع". ص "51".
أشكال المقاومة
تتجلى خصوصية "جدارية" محمود درويش فى كونها ملحمة الذات، كتبت وهى تخوض غمار مجابهة قاسية ضد أعداء لا مرئيين، لا أشكال نهائية لهم، هلاميين، أسلحتهم غير معروفة، أشباح يضطهدون الذات فى وجوداتها الممكنة، ويخضعونها للتجربة القاسية. فى "الجدارية" ترتفع أصوات الداخل وتتغلب على الخارج المهيمن فى التجربة الشعرية لمحمود درويش المتقدمة، وتقاوم الذات ذلك لكن دون جدوى، فالوضع غير الأوضاع السالفة، فالشاعر يمر بحالة مرض خاصة هزت كيانه وأوقفته على الحدود القصوى حيث المعرفة غير المعرفة، والأشياء غير الأشياء، كل شيء باطل وقبض ريح. عالم متحول لا استقرار له والذات الشاعرة تخوض المغامرة، ترحال لا نهائى فى عالم هلامى –سديمي- دون معالم محددة أو حدود جغرافية. إنها تجربة الغياب، وتجربة العزلة حيث الذات فى عراء الأكوان، لا آلهة تحمى الذات من الضياع، ولا ذاكرة تسعف على الترحال، ولا معرفة ولا حواس، فقط البياض الشاسع، يقول النص الشعري:
"...كل شيء أبيض،
البحر المعلق فوق سقف غمامة
بيضاء. واللاشيء أبيض في
سماء المطلق البيضاء، كنت، ولم
أكن. فأنا وحيد فى نواحى هذه
الأبدية البيضاء." ص "10".
أمام هذا البياض حيث تنتفى الألوان، تنتفى كذلك المحددات والمعينات والشروط التى يقوم عليها الوجود الإنساني. ولا غرابة فى أن يجتمع الحديث عن البياض بالبياض عن الوحدة. فالذات الشاعرة تجابه الأهوال وحدها، فى الأقاصى التى تختبر فيها إمكانيات الذات، تاريخها الشخصي، قدراتها، مؤهلاتها، حاضرها وماضيها ومستقبلها، وأدوات مقاومتها، ومعرفتها السابقة، المكتسبة والمبتدعة، تفقد ماديتها وتتخلى عن أسمائها ومحدداتها. فتتحول الذات فى رحلة الأقاصى إلى صفحة بيضاء. تبدأ من جديد. وأمام كل هذا الغياب، وكل هذا النسيان يبقى اسم الشاعر حاضرا محفورا فى الوجودات كلها، السابقة والآنية والما بينية حيث يقيم الآن – زمن الخطاب الشعري.
فى الأبدية البيضاء أو العالم المطلق حيث تحيا الذات مجددا، وتحاول تشكيل عالمها الجديد وإقامة ألفة معه وتتخذ "الذات" مظاهر عدة من التحول مختلفة عن كل أشكال الوجود السابقة، أى قبل الدخول فى تجربة الغياب.
الكينونة غير المشروطة
يقول الشاعر:
"سوف أكون ما ساصير في
الفلك الأخير." ص.ص "10.9".
فى هذا التركيب عمق إحساس الشاعر بهول المغامرة إلى الأبدية، الحياة فى العالم الآخر. وفى تشديد الشاعر على الكينونة إقرار بالرغبة الملحة فى الحياة –البقاء- كيفما كانت هذه الحياة، وأينما تكون هنا أو هنالك. "سوف أكون" عبارة تقاوم فكرة التلاشى والضياع والانمحاء، حالة التحلل، وحالة النسيان. تقاوم حالة وفكرة اللاوجود. "ما" الذى ساكونه، الشكل الذى ستتخذه ذاتى فى وجودها الأخير والآخر. "ساصير" شيئا أو شكلا أو كائنا أو اللاكائن دون إرادتي، بإرادة خارجية، أقوى من كل الحواس والقدرات الذاتية. لكن "سأكون" تحسم الأمر لصالح الذات. إنها إرادة القوة، وإصرار على الوجود، إصرار على البقاء. وهو ما سيؤكده الشاعر فى صفحات متقدمة من "الجدارية" بنوع من التدرج الملحاح:
أ- "وأريد أن أحيا..". ص "48".
ب- "وأنا أريد، أريد أن أحيا...". ص "55".
ت- "وأنا أريد، أريد أن أحيا، وأن/ أنساك...". ص "59".
إن إرادة القوة شكل من أشكال مقاومة الذات للموت، مقاومة حالة التوقف والسكون، حالة الما بين، حالة الإقامة فى اللازمان، وفى اللامكان. إن الكينونة اللامشروطة تحتمها حالة الذات الشاعر وقد أوقفت فى مناطق البياض والعماء الكلى للحواس، حالة الغيبوبة والخدر. وهى ناتجة عن إحساس ممزق بين معرفة سابقة "استعداد الذات لخوض مغامرة الرحيل إلى العالم الآخر، عالم الأموات" وبين وجودها الملتبس، الوجود المخالف لكل المعرفة المكتسبة السابقة. يقول النص الشعرى معبرا عن هذه الحيرة،وعن آلام الوحدة والعزلة:
* "فأنا وحيد فى نواحى هذه
الأبدية البيضاء. جئت قبيل ميعادي
فلم يظهر ملاك واحد ليقول لي:
"ماذا فعلت، هناك، فى الدنيا؟"
ولم أسمع هتاف الطيبين، ولا
أنين الخاطئين، أنا وحيد فى البياض،
أنا وحيد...
[...]
أين "أيني" الآن؟ أين مدينة
الموتى، وأين أنا؟ فلا عدم
هنا فى اللاهنا... فى اللازمان،
ولا وجود" ص.ص "11.10".
* "...لا أحد هنالك
فى انتظاري..." ص "44".
تتجلى بوضوح المعرفة القبلية لدى الشاعر، معرفة حملتها الذات معها فى تحولها إلى العالم الآخر، معرفة تقول بأن فى "الهناك" ملائكة يسألون القادمين عن أعمالهم فى "الدنيا". وأن فى العالم الآخر، عالم الأموات أموات أحياء. لكن المفاجأة التى تزج بالذات الشاعرة فى المتاه وفيافى اللا معنى، وصحارى اللامدرك تتمثل فى الغياب والعزلة وعراء الذات. فالذات تقع فى الما بين لا هى فى العالم السفلى "الدنيا" ولا هى فى "مدينة الموتى"؛ إنها حالة محيرة يلفها الالتباس، مما أربك معرفة الذات وأدخلها فى عالم من العماء الكلي:" أين أنا؟ أين "أيني" الآن ؟" ومع ذلك تصر الذات على وجودها، على كينونتها اللا مشروطة. كينونة تختلف، غير الكينونات الإنسانية المشروطة الوجود بمحددى الزمان والمكان. ويصر الشاعر:" وأسل من عدمى وجودي..." ص.ص "13.12".
البياض
إن البياض المتحدث عنه هنا لا يعنى الفراغات التى تشكل النص الشعرى أيقونيا وتعطيه توازنا وإيقاعا خاصا، بل البياض المتحدث عنه يحسه بقوة كل إنسان جرب الرحيل إلى العالم الآخر دون أن يصله وتوقف فى منتصف الطريق، فى غيبوبة حسية وشعورية، وشلل فكري، كأنه الموت الإكلنيكي. إنه معنى من معانى البياض لأنه ليس أبيض تماما بل هو اللالون. الانمحاء الكلى للموجودات، الأشياء والذوات والألوان والأصوات والمعنى والحدود والزمان...البياض هو اللالون الذى يلف الإنسان وينسيه ذاته ووجوده وتاريخه السابق والآنى والقادم.
فى "اللاهناك" كما يسميه الشاعر – لأنه لا مكان- تمحى الحدود المدركة، تشل آلة الإدراك، وتخوض الذات تجربة الخلق من اللا شيء. تجربة تختلف عن التجارب الحسية، إنها لحظة الجذبة الروحية، العالم الذى ينشده الدراويش فى دورانهم الرتيب ودوختهم المنتشاة.
فى تجربة البياض، وفى تحويله "البياض" إلى عالم الكتابة يتحول االشاعر محمود درويش إلى شاعر الأعماق والدواخل الدفينة. يتحول إلى الرائى "أنا من رأى" الذى يحمل العالم الغيبى على كتفيه ويحمل نفسه مهمة شرح ذلك للأموات الأحياء أو الأحياء الأموات الذين يجهلون الحقيقة. لكن أية حقيقة سينقل وقد أوقف فى منتصف الطريق ولم يكمل الرحلة إلى منتهاها؟ إن ما رآه الشاعر ليس إلا العالم الوسيط –السديم- محطة من محطات الطريق حيث يرتقى الإنسان السلم ليداهمه البياض، وتدخل ذاته وذاكرته وحواسه المنطقة الممغنطة فتضيع كل المدركات ويصبح العالم ملتبسا ويدخل فى العماء، عماء البياض،وتمحى المعرفة السابقة.
النسيان والمحو
فى "جدارية" محمود درويش تهيمن الذات على العالم الخارجي، والداخل على القضايا السطحية الطارئة. والجسر الذى يصل بين العالمين: عالم الفوضى وعالم اللا هناك، عالم البياض، هو النسيان والمحو، نسيان العادات المكتسبة ونسيان وظائف الأعضاء، والدخول فى لحظة الخدر والشلل، يقول الشاعر:
"نسيت ذراعي، ساقي، والركبتين
وتفاحة الجاذبية
نسيت وظيفة قلبي
وبستان حواء فى أول الأبدية
نسيت وظيفة عضوى الصغير
نسيت التنفس من رئتي
نسيت الكلام..." ص "66".
تحتل الذاكرة والذكريات والمعرفة المكتسبة مكانة هامة هنا. إنها العالم الذى نحياه، عالم من الخيالات والأشباح، والمعارف المتوارثة، تلامس الحقيقة، وليست الحقيقة، الحقيقة فى ذاتها. إن الحقائق التى نملكها منقولة ومكتسبة. إن الحقائق التى نملكها ليست سوى التجارب التى تدركها الحواس، وتلك التى اكتسبناها من الآخرين منقولة شفهيا أو كتابيا. فحالة النسيان تعلن عن فقدان الذاكرة بل ما هو أعنف فقدان المدارك لقدراتها على الإدراك، وشعور الذات بالعجز،يقول الشاعر بحرقة وآلام:
"ما قيمة الروح إن كان جسمي
مريضا، ولا يستطيع القيام
بواجبه الأولي؟
فيا قلب، يا قلب أرجع خطاي
إلى لأمشى إلى دورة الماء
وحدي!". ص "65".
ولأن القلب يصدأ كالحديد، ولأن القلب المحرك الأساس للأعضاء فإن عطله يمتد إلى سائر الجسد. ما يلفت فى هذه العبارة "القلب يصدأ كالحديد" قوة اقتناص المعنى. فإذا كان الشاعر العربى يُمَيَّزُ ببيت من الشعر فإن الشاعر الحديث تميزه عبارة توقع فى شركها غريب المعانى وأبكارها، أو صورة شعرية مبتكرة. وما يميز محمود درويش ازدواجية هامة، شقها الأول يتمثل فى سلامة لغته العربية الفصيحة وسلاستها، لا هى بالموحشة الغريبة،ولا هى بالسهلة الضحلة، لكنها القريبة من العصر، القريبة من "الواقعية"، القريبة إلى فئة واسعة من جمهور القراء، القريبة من ذات صاحبها، المتغلغلة فى أعطاف وثنايا النفس البشرية / الإنسانية.
وشقها الثانى الابتكار والاقتناص، ابتكار الصور والمعانى واقتناص العبارة المؤثرة؛ أى نظم الجمل وتراكيبها مثال ذلك اللعب بالضمائر التى يتحول فيها المتكلم مخاطبا لذاته، وتصبح ذاته المخاطبة مخاطبة. أى أن الأنا هو ذاته وليس ذاته فى آن، أو امتصاصه لمعانى الأساطير والآيات مثلا وتحميلها معانى جديدة، أو الاستناد إليها لتقوية التأثير والأثر فى نفس المتلقين، وأثرها أيضا فى تقوية معانى السياقات الواردة فيها، وخلقها ميثاقا وثيقا للأفهام بمعنى الوصل بين ذات المتكلم والمتلقين. وكذلك إبداعه فى تشبيه القلب بالحديد الذى يتأثر بالعوامل الخارجية –يتفاعل- فيتأكسد ويتآكل بعد أن كان مثال الصلابة.
الغياب
لا تكتمل دائرة الموت إلا بهذا الأقنوم الرابع "الغياب". والغياب فى "جدارية" محمود درويش يتخذ مظاهر عدة، أبرزها الغياب عن الوجود بعد المخدر، يقول النص الشعري:
"تقول ممرضتي: أنتَ أحسن حالا.
وتحقننى بالمخدر: كن هادئا
وجديرا بما سوف تحلم
عما قليل..." ص "29".
...ويبدأ الغياب. والغريب أن الغياب عن الوجود يبدأ بالاسترجاع والاستذكار وكأن الذات تقاوم بشكل لا إرادى حالة الانفصال عن الواقع المادي، تقاومه باستدعاء الذكريات. وقبل الحلم والخوض فى متاهاته تهيمن الذاكرة، الذكريات، ويتحول الجسد المقاوم عينا داخلية كبيرة مفتوحة عن آخرها. ويتحول الجسد إلى راءٍ. وتكاد تكون الرؤية هنا عينية لا ظنية اعتقادية. يقول النص الشعري:
- "رأيت طبيبى الفرنسي..." ص "29".
- "رأيت أبى عائدا/ من الحج، مغمى عليه..." ص "29".
- "رأيت شبابا مغاربة/ يلعبون الكرة/ ويرموننى بالحجارة: عد بالعبارة..." ص "30".
- " رأيت "رينى شار"/ يجلس مع "هيدغر"..." ص "30".
- "رأيت رفاقى الثلاثة ينتحبون/ وهم/ يخيطون لى كفنا/ بخيوط الذهب." ص "31".
- "رأيت المعرى يطرد نقاده/ من قصيدته..." "31".
- "رأيت بلادا تعانقني/ بأيد صباحية: كن/ جديرا برائحة الخبز..." ص "32".
-
هذه الرؤى المتتالية تؤكد شيئا واحدا مهيمنا على الذات وهى تخوض غمار الرحلة الصعبة نحو المطلق، وهى ترحل بعيدا فى الغياب، إنه تحفيز الكوامن الداخلية لمقاومة الموت و"الصعود نحو الهاوية". تقول الرؤيات شيئا واحدا "كن جديرا ﺑـــ..." بماذا؟ بصعودك، فى غيابك عن عالم ألفته، وعن معرفة اكتسبتها وامتلكتها، عن ذكريات جمعتها فى دروب العمر وقطفتها من بساتين التجربة. كن جديرا بما ستلقاه، بما ستصير، وكن ما ستصير. لا تناقض فى السيرورة الشعرية للجدارية، تصاعد يقينى قوامه وسنده المقاومة والمجابهة، مقاومة الأهوال ومجابهة الهاوية، والأشباح اللامرئية.
إلا أن الشاعر فى جداريته يتوغل فى الغياب حد التوحش. ويصبح الغياب ملاذا بعد أن كان هاجسا مخيفا مروعا يستدعى المقاومة- كما يستدعى الرجوع مقاومة مضادة بعد الألفة. يقول النص الشعري:
"تقول ممرضتي: كنتَ تهذي
كثيرا، وتصرخ بى قائلا:
لا أريد الرجوع إلى بلد
بعد هذا الغياب الطويل...
أريد الرجوع فقط
إلى لغتى فى أقاصى الهديل". ص.ص "67.66".
إن الشكل الأكبر للمقاومة يتجلى فى الكتابة، فى اللغة. إنها إقامة –سكن- الشاعر حيث يحيا، ويكون، ويصير. فاللغة كيان حى باق رغم التحول، إنها معادل الزمان فى سيرورته، وفى عماه، وفى بقائه. فالشاعر يشيد صروحا من الكلام هى الملاذ الأخير لاستمراره وبقائه رغم "الداء والأعداء كالنسر فوق القمة الشماء".
لذلك لا يرغب فى العودة من غيابه "منفاه" إلا إلى لغته. ألسنا فى النهاية سوى كائنات استعارية تحيا داخل اللغة وباللغة، وإن كانت هذه اللغة هى جحيمنا اليومى والأبدي؟ مصدر خلافاتنا، ومصدر ائتلافاتنا فى آن؟ فباللغة نقاوم المرض ونجابه الموت ونرغمه على الانتظار، وعلى الجلوس إلى طاولة الحوار، ونرغمه على التفكير فى ذاته، نخجله، ونخلخل كيانه اليقيني، ونشل حركته بعض الوقت. إن اللغة / الشعر هى ملاذنا الأخير، بيتنا الواسع الذى يحمينا حتى من أنفسنا.
أما الأشكال الصغرى للمقاومة، مقاومة المرض ومجابهة الموت فى الجدارية، فتتمثل في:
• مقاومة الموت باستحضار عناصر الحياة.
• مقاومة الموت بإخضاعه.
• مقاومة الموت بمصاحبته.
• مقاومة الموت بالضلوع فى الموت.
• درويش، محمود؛ جدارية. رياض الريس. ط1. 2000م.
السبت, 16 اغسطس, 2008
مبدأ المقاومة وأشكالها الشعرية عند محمود درويش
الشاعر الراحل محمود درويش
العرب أونلاين : محمد معتصم - ناقد مغربي
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية


















