
ومن تلك الأجواء الاجتماعية والتي ما زالت سائدة رغم كل التطور المدني والحضاري الذي لا مناص منه لحياة الناس في عصرنا هذا.. فهناك داخل تلك البيوت الصغيرة المساحة قلما نلاحظ مثلا تخصيص غرفة للضيوف بمفروشاتها من الكنبايات!! فهناك فقط فرش عربي أرضي من الفرشات الصغيرة والمخدات مع تواجد حصيرة أو سجادة أرض صغيرة.. وسبب ذلك ان هذه الغرفة يمكن تحويلها بعد مغادرة الضيوف ليلا مثلا الى غرفة نوم ينام فيها شباب أسرة هذا البيت.
ومن المدهش ان نعرف ان بعض اصحاب هذه البيوت الشعبية الصغيرة هم من الموسرين حاليا وبالذات من كبار السن مثلا ممن يرفضون نفسياً مغادرة هذا البيت الضيق الى حي آخر بمنزل ذي غرف عديدة وواسعة.. وذلك حباً بالتمسك بهذا الموقع الحي وبالجيران والمعارف الذين عاشرهم سنوات طويلة.
ومن الملفت للنظر ان مجمل العلاقات الاجتماعية ما بين الجيران وبالذات الجارات ما زالت تتشابه بتلك العلاقة الحميمة التي تسود في مناطق الارياف والقرى الاردنية .. فمن ذلك مثلاً ان النساء عادة ما يجتمعن في دار أو ساحة احداهن للمساعدة والعونة في قطف أوراق الملوخية عن عيدانها لتجفيفها لايام الشتاء، ولرصع حبات الزيتون الاخضر بالحجارة لكبسه في مرطبانات البلاستيك أو الزجاج، ثم تنقية الحبوب من الشوائب مثل حبوب العدس وورق الميرمية.. وضمن هذه الاجواء لا بد من استراحة قصيرة من أجل الضيافة وذلك لشرب كاسات من الشاي بنكهة الميرمية أو النعنع، مع تفضيل صحون الراحة (الحلقوم) وربما بزر البطيخ مع القضامة أيضاًو ثم أخيرا فناجين القهوة، والتي في الغالب تكون واحدة من نساء الحارة لديها خبرة قديمة في قراءة الطالع من خلال قلب فنجان القهوة بعد الانتهاء من شربه، وكل ذلك من أجل التسلية والضحكات وزيادة آمال النساء في أمانيهن المتعددة في هذه الحياة كثير المطالب والرجاءات.
وفي تلك الأجواء وفي هذه الاثناء يكون الاولاد الصغار في هرج ومرج عبر لعبهم بألعاب الكرة الصغيرة وفي ركوب دراجات الثلاث عجلات، وربما بكى أحدهم لتقوم الام تسمي بالله الرحمن الرحيم ان يحرص ويبارك ابنها الباكي من كل شر.
ثم انه من العادي جدا ان يقرع احدهم باب الدار الخارجي لنلاحظ ان الطارق هو ابن أو ابنة الجيران يطلب وبأدب من جارتهم والتي يسميها (خالتي): أمي تسلم عليك وتقول لك بدها شوية سكر.. أو ملح.. أو حتى رغيفين خبز قرضة وسلف لبكره.
وفي تلك الحارات من الأحياء الشعبية في مدينة عمان من الشهي أيضاً للمارين بين أزقتها الضيقة في شم روائح الاطعمة المطبوخة أو هي في حالة تحضير على النار.. لذا ليس من المستهجن ان يهدي بعض الجيران لبعضهم البعض صحون الطعام الطازج أو بعض الفواكه النادرة.
ومن المألوف مشاهدة بعض الرجال من أهل حارة معينة في تلك الاماكن الشعبية التي تتسم بالحميمة والدفء العاطفي والروحي ما بين ناسها وهم يجلسون على كراسي صغيرة وعتيقة امام دكان أحدهم وهم يتجاذبون أطراف الحديث في شؤون بعضهم البعض وفي رأيهم في الحياة المعيشية في هذا الزمن والازمان والذكريات السابقة المؤثرة.. فالكل هنا يعرف الكل وكأنهم أسرة واحة. أما النساء فهن في بعض الأحيان يقمن بمساعدة بعضهن البعض في تكنيس مداخل البيوت أو الازقة الواقعة قرب بيوتهن ثم يجلسن عصرا عند عتبة بيت لشرب فناجين القهوة وتداول الاحاديث عن أولادهن وبناتهن وشؤون بيوتهن.
ورغم أن بيوت الاحياء هذه صغيرة وبسيطة في أثاثها فان روح المحبة والتعاون والاحترام المتبادل هو السائد في تلك المواقع والاجواء الشعبية.. فالبساطة والتواضع هما رأسمال هؤلاء الناس الذين يستقبلون أي غريب (محاولا الاستفسار منهم عن طريق أو شارع أو مكان أو بيت فلان بكل صدر رحب وابتسامة وترحيب حتى يصل ذلك الى دعوته لشرب كأس شاي أو فنجان قهوة أو شربة ماء بارد في أيام الصيف الحار.
السبت, 13 ديسمبر, 2008
الأحياء الشعبية وحياة الناس في عمان
جريدة الرأي : رغم ان عمان مدينة ضخمة وشاسعة وراقية.. الا ان هناك العديد من الاحياء الشعبية المتناثرة هنا وهناك عند أطرافها أو في العمق حتى.. ولتلك الاحياء الشعبية نكهة البساطة والدفء والعاطفة الحميمة عبر طرقاتها وأزقتها وبيوتها المتواضعة وناسها الطيبين بعلاقاتهم الاجتماعية الشديدة التواصل.
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية


















