
إذن ، فما يسميه عامة الناس (واسطة) هو في واقعه (محسوبية) و(محاباة) ، غير أنهم اختاروا لفظاً أكثر تهذيباً ورقة ، وأقل ارتباطاً في الذهن بمعاني الفساد ، فقالوا أنها (واسطة) ، على أساس أن (الواسطة) في اللغة تعني : كل ما يتم التوصّل من خلاله إلى شيء !
أبعاد نفسية
إذا وجد الذين لم يحظوا بالواسطة ، أن أقرانهم ومن حولهم ممن ظفروا بها قد تفوّقوا عليهم ، ونالوا الحظوة أو الجاه أو المال أو المكانة أو الوظيفة أو الشهادة أو سوى ذلك من المميزات ، التي ما كانوا ليدركوها لولا تلك (الواسطة) ، ولولا غياب تكافؤ الفرص والعدالة والمساواة ، فإن ذلك يبعث في نفوس هؤلاء الذين حرموا من تلك المميزات شعوراً بالإحباط والغبن ، مع ما ينجم عن الاحباط من عدوان وحقد ، قد يتوجّه إلى خارج النفس ونحو المجتمع ، سواء إلى الجهة المسؤولة عن هذا الاحباط ، أو يتوجه لاشعورياً إلى جهة أخرى بديلة ، أو يرتدُّ هذا العدوان إلى داخل النفس فيجرُّ معه مآسي نفسية أخرى.
وربما كانت الآثار أعلاه ، واضحة جلية ، أو معروفة بَدَهيّة ، لكن من آثار الواسطة ما هو مستتر خفي قلّما نَفْطنُ إليه ، ومن تلك الآثار مثلاً أن (الواسطة) تقدم شمّاعة نفسية مُقنِعَةً لمن يُخفقون في حياتهم وأعمالهم ، فإذا فشل المرء في وظيفته أو مهنته أو مشروعه أو ربما دراسته أحياناً ، عزا ذلك إلى أنه لا يملك واسطة ، وأنه لو ملكها لفاز فوزاً عظيماً 0 ثم نظر إلى الذين نجحوا حيث فشل وقال : ( لولا الواسطة ما بلغوا شيئاً مما وصلوا إليه).
وربما أضاف بعض العبارات التي تبثُّ اليأس في نفسه وفي نفوس من حوله ، كأن يقول بالتعبير العامي : ( اللي ما إِلُه وساطة لا يتعب ولا يشقى ) أو ( كل إشي بالواسطة ).
ومثل هؤلاء مُحّقون حين يشيرون إلى شيوع الواسطة وانتشارها وتأثيرها في الفشل والنجاح ، لكنهم يجانبون الصواب حين يعتبرون أنها (أي الواسطة) سببٌ في كل نجاح وغيابها سبب في كل اخفاق ، فكم نجح أناس لا واسطة لهم ، وأخفق آخرون أُتيحت لهم صنوفٌ من الواسطات 0 دون أن يعني قولنا هذا التقليل من آثار الواسطة وتأثيراتها واتساع وعمق نطاقها.
أبعاد اجتماعية
لأنكى من الواسطة ذاتها ، تلك الثقافة والأفكار والقيم والاتجاهات ، التي تبعث على هذا السلوك (الواسطة) وتعززه وتبرِّرهُ وتُضفي عليه الشرعية ، بل تجعل من الخروج على مقتضياته خطأ اجتماعياً يستوجب العقوبة (العقوبة الاجتماعية) مثل إتهام من لا يتوسط للآخرين بعدم مساعدة الأهل ، ونسيان المعارف بعد الوصول للمنصب ، والخوف ، وعدم التمكّن ، إضافة إلى تشويه السمعة وربما المقاطعة 0 كما تجعل هذه الثقافة من ممارسة الواسطة فعلاً يستوجب المكافأة الاجتماعية ، كوصف من قام بها بالنخوة ! وإغاثة الملهوف ! وحُبّ المساعدة ! والاخلاص للعشيرة والقبيلة والإقليم ! ووصفه بعد ذلك بأنه (رَجلٌ بحق) ، فكأنما الرّجولة تكون فـي مخالفة القانون ، ومجافاة الحق والعدالة ، وظلم الآخر ، ومحاباة الأقربين ، والانتماء الضيق !
وتأخذ الواسطة في المجتمعات النامية صيغة العُرف ، ليس العرف بمعنى العادة التي درج عليها الناس لفترة طويلة وكرروها وصارت جزءاً من ممارستهم وحسب ، بل العرف بمعنى ارتباط العادة المتكررة بالاقتناع والإلتزام ، أي بأن مخالفتها أمر تترتب عليه عقوبة (عقوبة اجتماعية) كما ذكرنا فيما سلف ، إضافة إلى الاعتقاد بأن اللجوء لطلب الواسطة واجب ، حتى لو كان الأمر الذي يبغي طالب الواسطة الحصول عليه مجرد خدمة عادية تؤديها الدوائر الحكومية بسهولة ويسر ووقت قصير ، فهناك دائماً سلوكات صغيرة تتعلق بالحصول على الخدمة الحكومية يعطيها كثير من الناس قيمة كبيرة ، كأن يتمكنوا من دخول مكان دون ابراز الهويـة بينما يبرزها الآخرون ، أو كالتمكن من الدخول إلى الموظف العام (من خلف الكاونتر) ، أو رؤيتهم للساعي أو أحد الموظفين يلاحق معاملتهم بنفسه ، مما يورثهم شعوراً بالفخر أمام أنفسهم وأمام الآخرين ، فكأن القيمة لا تتأتي للمواطن إلا إذا أحسّ بتميزه على من هو سواه ، مع أن هذا التميز في حقيقته شكلي ولا قيمة له ، فهو ليس تميزاً في علم أو كفاءة أو مهارة أو عطاء.
وكلما كانت المجتمعات أقرب إلى التخلّف وأبعد عن التقدم ، كلما تحكَّم فيها العرف أكثر من القانون ، ومما يشير إلى حجم رسوخ الأعراف الاجتماعية المتعلقة بالواسطة ، أنها ترتبط بمصطلحات وشكل في الممارسة ، فمثلاً فلان (يمون) وفلان (لا يمون) ، وأنا جئتك (من طرف أبي فلان) 0 كما تأخذ ممارسة الواسطة صوراً واشكالاً محددة ، كأن يستقبل المدير (كأنه كبير القبيلة) القادمين من طرف (أبي فلان) ويأمر لهم بالقهوة (الضيافة) ثم يجيبهم إلى طلبهم ، وكيف لا يُجاب الضيف أو الدخيل إلى طلبه ؟ وكثيراً ما يقضي المسؤول معظم وقته (بل وقت العمل) في هكذا استقبالات.
ولك أن تلاحظ هذا الشكل البدائيّ من التعامل مع الحقوق والمصالح والخدمات العامة ، الذي يشير إلى جانب مازال بحاجة إلى كثير من التطوير ، ليس التطوير في الجانب المادي ، بل في الجانب المعنوي المتعلق بالقناعات والقيم وأنماط التفكير 0
أبعاد إدارية
إن مما يسهمُ في تنامي طلب (الواسطة) على مستوى القطاع العام ، ظنُّ المواطن أن الخدمة التي تقدم له منحة أو منّة وليست حقاً ، وإيحاء الموظف العام للمواطنين بأن الخدمة تنتزع انتزاعاً ، وتعاليه عليهم ، وتعقيده لأمورهم ، والاستهانة بأوقاتهم ، فكل ذلك يشكل سبباً يجعل الناس تسعى إلى الواسطة وفيها ، للحصول على الخدمات بيسر أكبر ووقت أقل 0
وحين تكون الواسطة على مستوى التعيينات (سواء في القطاع العام أو الخاص) فإنها تؤدي إلى التَرهُّل ، أي ذلك التورم مع الارتخاء الذي ينجم عن زيادة العدد والبطالة المقنعة ، وهذا ما ينحدر بكفاءة الأداء ، ويزيد الكلفة ، ويعيق العمل ، ويقلل الانتاج ، ويذهب بالجودة ، ويكثر من المتطفّلين والمتكسّبين الذين يرغبون بالحصول على الراتب ، كأنه حق استخلصوه بما يملكون من واسطة ، وكأنما ليس بالضرورة أن يقابل الأجر وقت أو جهد أو انتاج من قبلهم ، فلا فضل في اعتقادهؤلاء للمؤسسة التي يعملون لديها في تعيينهم أو دفع أجرتهم ، والفضل كل الفضل للاعتبارات العائلية أو القبلية أو المصلحة التي أتاحت لهم هذه الميزة ، فولاؤهم دائماً لهذه الاعتبارات ، وليس للمؤسسة أو الوطن من ذلك الولاء حصة أو نصيب 0
في سبيل الحل
قد تجدي القوانين والأنظمة والتعليمات في الحدِّ من (الواسطة) ، ولكن في نطاق محدود ، فأصل البلاء كامنٌ في القيم وأنماط التفكير والأعراف والولاءات والانتماءات ، وقد يكون لأساليب التربية والإعلام وبثّ الوعي تأثير في تغييرها ، لكنه يحتاج إلى زمن طويل ، قد تسبقه عوامل أخرى قادرة أيضاً على إحداث التغيير ، ومن ذلك آثار العولمة التي ستفرض حجماً من التنافس لا يبقى معه اعتبار لغير الكفاءة والاقتدار والجدارة ، حيث لن يكون يسيراً ذلك الدور الذي ستقوم به العولمة بما تحمله من آثار في زاول الحدود بين الدول ، وحرية الأسواق ، وحرية انتقال الأيدي العاملة ورؤوس الأموال والسلع والخدمات ، وجبروت الشركات العملاقة ، مع ما يرافق ذلك من تأثير الفضائيات والانترنت وسواها ، فقد أثبت الواقع أن كل ذلك قادر على إحداث التغيير.
الاربعاء, 05 نوفمبر, 2008
الواسطة والمحسوبية.. في أبعادها المتعددة
جريدة الرأي : إبراهيم كشت - ربما كان تعبيرُ (المحسوبية) أكثرَ أداءً للمعنى العامي المقصود بالواسطة ، حيث يشير معناها الاصطلاحي (أي المحسوبية) إلى : منح الحَسَبِ والنّسب والصداقة والمعرفة والمصلحة اعتباراً خاصاً ، وتمييز الأشخاص على أساسها ، وذلك على حساب الكفاءة والجدارة ، وعلى حساب الاعتبارات الموضوعية المهمة 0 وربما كان تعبير (المُحاباة) أيضاً مناسباً ومؤدّياً للمعنى بشكل مـن الأشكال ، وبخاصة أن كلمة (المحاباة) قد استخدمت قديماً في تراثنا وفي الأحاديث المأثورة ، وهي تُعني حسب معاجم علم الاجتماع : تلك الممارسات التي يقوم بها الذين يستفيدون من مواقعهم أو سلطاتهم في منح الإمتيازات لأقاربهم أو معارفهم أو لمن تربطهم بهم مصلحة ، بغض النظر عن أحقيتهم في ذلك ، وبصرف النظر عن قدراتهم ومؤهلاتهم 0 ولم يَفُتْ بعض المعاجم ضمن تعريفها للمحاباة أن تشير إلى أنه يقع في باب (الفساد).
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية


















